محمد بن جعفر الكتاني
313
سلوة الأنفاس ومحادثة الأكياس بمن أقبر من العلماء والصلحاء بفاس
وكان يحثهم على السنة والحزم في الدين ، واتباع سنن المهتدين ، ويحملهم على رفع الهمة عن الخلق ، والاكتفاء بالواحد الحق ، ولا يحب من يركن إلى الخلق ، أو يظهر شيئا من الفاقة إليهم ، ولا أن يعول في شيء من الأشياء عليهم ، ويقول : « السعاية « 1 » في مذهبنا حرام » ، حتى كان أصحابه إذا وجدوا واحدا ينتسب للشيخ وهو يتعاطى شيئا من ذلك يقولون له : « لست من أصحابه ، ولا تكون منهم » . وكان يكثر زيارة الأشياخ الثلاثة الذين تشد إليهم الركاب في مغربنا ؛ لعظم أمرهم وكثرة بركاتهم ، وهم : سيدي عبد السلام بن مشيش ، وسيدي أبو يعزى ، وسيدي أبو سلهام ، كان يزورهم في ركب من أصحابه على عادة أهل المغرب من زيارتهم مرة كل سنة ، وكان يزور غيرهم من الأموات ممن كان ببلاد لمطة . ومن دعائه : « اللهم ارزقنا القناعة ، والصلاة في الجماعة ، والخروج من الدنيا بلا تباعة » . وأحواله وأخباره وكراماته حيا وميتا لا تفي بها العبارة . وقد اعتنى بشيء منها تلميذه وملازمه الفاضل الخير المحب أبو العباس أحمد بن محمد الشامي ، ولخص ذلك في نحو خمسة أوراق ، وزاد عليه تقاييد [ 277 ] مفردة : العلامة سيدي العربي بن الطيب القادري . وأفرده بمؤلف في سفر صغير : العلامة الصوفي أبو محمد سيدي عبد السلام القادري شقيق سيدي العربي المذكور ؛ سماه : « معتمد الراوي في أخبار سيدي أحمد الشاوي » . وذيله حفيده العلامة المؤرخ أبو عبد اللّه سيدي محمد بن الطيب القادري ، وسمى ذيله المذكور ب : " الكوكب الضاوي في إكمال معتمد الراوي " ، فمن أراد الشفاء من مآثره ؛ فعليه بذلك . توفي - رحمه اللّه - على ما هو المعتمد في وفاته قرب طلوع فجر يوم الأربعاء سادس وعشري محرم الحرام عام أربعة عشر وألف ، ولم يخلف عقبا ، ولم يلد قط ذكرا ولا أنثى ، ودفن يوم الخميس عند الضحى بزاويته من محلة الجرف عدوة فاس القرويين ، وحضر جنازته أهل فاس وأهل البوادي ، ولم يبق شريف ولا عالم ولا أحد إلا أتى ، وكان حاكم القصبة أمام النعش يعمل الطريق للصّحافين لما ذهبوا به إلى جامع القرويين للصلاة عليه ، وكذلك لما رجعوا ليدفنوه ، وضريحه بزاويته المذكورة واضح شهير ، لا يحتاج إلى تعريف ، وهو من أعظم المزارات بفاس . قال في " الروضة المقصودة " : « ولم يزل يتصرف بعد موته تصرف الأكابر ، ويغترف من بحر عنايته كل زائر ، ترياقا مجريا ، في قطع دابر الظلمة ، لمن يقصد في الدعاء عليهم حرمه ، يحمي من استجار به ، ويصول ؛ فلا يجد أحد من الفراعنة ما يقول ، لا تجد أحدا يفزع إليه ، إلا فاز في الحال بما يطلبه لديه ، جاره مأمون ، وسيفه للمتعدي مسنون » . ه .
--> ( 1 ) السعاية : الشحاذة .